عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

55

معارج التفكر ودقائق التدبر

لهذا البيان من ربّك ، فالاستفهام هنا استفهام تحريضي على التّفكّر العميق والتّدبّر الدّقيق فيما سيعرض من بيان . كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا : أي : تفكّر في الكيفيّة الوصفيّة للمثل الآتي : . . . كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) : يضرب اللّه عزّ وجلّ مثلا للكلمة الطّيّبة ؛ بالشّجرة الطّيّبة الّتي لها أصل ثابت في الأرض ، إذ هي ذات جذور متغلغلة في الأعماق ، تمتصّ الغذاء للشّجرة من الماء والتّراب ، فيصعد في قنوات من الجذور إلى السّاق ، فإلى الفروع الصّاعدة في الجوّ الّذي هو سماء بالنّسبة إلى الأرض ، فإلى الأوراق والأفنان والثّمرات ، فهي تؤتي النّاس أكلها ، وهو ما يؤكل منها من ثمرات ، كلّ حين من فصول إنتاجها ، بإذن ربّها مدبّر نمائها وعطائها ، ضمن قانون إنتاجها الّذي قدّره بحكمته وقضاه لها . وأولى الشجرات بالمثل في بلاد العرب إبّان التّنزيل : النّخلة . كذلك الكلمة الطّيّبة الّتي تدلّ على حقّ مؤيّد بالبرهان ، أو تهدي إلى خير أو فضيلة ، أو عمل صالح يرضي اللّه جلّ جلاله . وفي رأس الكلمات الطّيّبات كلمة الإيمان باللّه ربّا لا شريك له ، وكلمة لا إله إلّا اللّه ، وكلمات سبحان اللّه ، والحمد للّه ، واللّه أكبر ، وكلّ كلمة فيها تنزيه للّه ، أو كلمة صفة من صفات اللّه الثابتة في القرآن أو السّنّة الصّحيحة ، والآيات القرآنيّة الهادية إلى حقّ أو خير أو فضيلة ؛ كلّها كلمات طيّبات . إنّ الكلمة الطّيّبة ذات أصل ثابت ، إذ لها جذور كجذور الشّجرة